عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
297
اللباب في علوم الكتاب
و [ قد ] تقدّم الخلاف في تشديد « يقتلون » وتخفيفها قبل هذه الآية ، وتقدّم في البقرة إعراب هذه الآية وتفسيرها . فصل [ في تفسير هذه الآيات ] والفائدة في ذكرها ههنا : أنّه تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة ، فكيف يليق الاشتغال بعبادة غير اللّه تعالى . قوله : وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ تقدّم الخلاف في « وعدنا » و « واعدنا » وأنّ الظّرف بعد مفعول ثان على حذف مضاف ، ولا يجوز أن يكون ظرفا لفساد المعنى في البقرة فكذا هنا ، أي : وعدناه تمام ثلاثين ، أو إتيانها ، أو مناجاتها . قوله : وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ في هذا الضمير قولان : أحدهما : أنّه يعود على المواعدة المفهومة من واعدنا أي : وأتممنا مواعدته بعشر . الثاني : أنّه يعود على ثلاثين قاله الحوفي . قال أبو حيّان : ولا يظهر ؛ لأنّ الثلاثين لم تكن ناقصة فتتمّ بعشر ، وحذف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه أي : وأتممناها بعشر ليال ، وفي مصحف أبي وتمّمناها بالتّضعيف ، عدّاه بالتّضعيف . قوله : فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ الفرق بين الميقات ، والوقت ، أن الميقات : ما قدّر فيه عمل من الأعمال ، والوقت : وقت الشّيء من غير تقدير عمل ، أو تقريره . وفي نصب « أربعين » أربعة أوجه : أحدها : أنّه حال . قال الزّمخشريّ : « وأربعين » نصب على الحال : أي تمّ بالغا هذا العدد . قال أبو حيان فعلى هذا لا يكون الحال « أربعين » ، بل الحال هذا المحذوف فينافي قوله . قال شهاب الدّين : لا تنافي فيه ؛ لأنّ النّحاة لم يزالوا ينسبون الحكم للمعمول الباقي بعد حذف عامله المنوب عنه ، وله شواهد منها : زيد في الدّار ، أو عندك . فيقولون : الجارّ والظّرف خبر ، والخبر في الحقيقة : إنّما هو المحذوف المقدّر العامل فيهما ، وكذا يقولون : جاء زيد بثيابه ، ف « بثيابه » حال ، والحال إنّما هو العامل فيه إلى غير ذلك وقدّره الفارسي ب : معدودا . قال : كقولك : ثمّ القوم عشرين رجلا ، أي : معدودين هذا العدد وهو تقدير حسن . الثاني : أنّه ينتصب أربعين على المفعول به . قال أبو البقاء « 1 » : « لأنّ معناه بلغ ، فهو كقولهم : بلغت أرضك جريبين » أي : بتضمين « تمّ » معنى « بلغ » .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 284 .